معرفة

قراءة في «أوراق عشرينية»

«أوراق عشرينية» كتاب يوثق ما هو أكبر وأهم من اللحظة التاريخية؛ كاشفًا التيارات العاطفية الخفية التي تتدفق تحت التاريخ، ونظرات وعبرات جيل ينتظر مستقبلًا لما يأت بعد.

future غلاف كتاب «أوراق عشرينية»

بينما يقود أجدادنا السبعينيون الأمة،

ويعتني أعمامنا الستينيون بالتجديد،

فإن ذوي الخمسينات يتقاعدون ويبدؤون بأخذ الأمور بروية،

وإخواننا الأكبر سنًا في الأربعينات من العمر مشغولون بكسب المال.

كلهم يخبرونك أنك فقط حينما تبلغ الثلاثين ستفهم الحقيقة.

لكن أين نقف –نحن الشباب– في العشرين من عمرنا حتى ذلك الحين؟

بعضنا شغله الإصلاح، وبعضنا شغلته الهجرة،

فما الذي تبقى لنا –نحن الشباب– في العشرين من عمرنا؟

هل يمكن لأحدكم أن يخبرني، تكرمًا؟

– تشانغ كوان، مغني بوب في بكين

في العقود المضطرمة الأولى من القرن الـ21، شهد العالم العربي، وفي القلب منه بطبيعة الحال مصر، سلسلة من الانهيارات الزلزالية، في السياسة والمجتمع والتكنولوجيا. غيرت هذه الزلازل بشكل جذري أنماط الإنتاج والاستهلاك الأدبي. وبالرغم من غنى هذه الفترة بالاهتزازات، إلا أنها فقيرة جدًا على مستوى التسجيل الذاتي. هنا يظهر كتاب أحمد أبو خليل «أوراق عشرينية»، وهو مجموعة من المقالات التأملية التي كتبها ونشرها في عام 2018 عبر منصة النشر الذاتي الرقمية «كتبنا».

كقارئ من جيل العشرية التالية على الكاتب، يعيش اليوم شهوره الأخيرة مع العشرينيات المكتوب عنها الكتاب، أجد في هذا النص تقاطعًا بين ما يثيره فيّ من أفكار، وما يمثله –بلا أي مجاملة أو تجوز– من تقاطع في الأدب العربي الحديث، ينسحب فيها المؤلف من جيل أبو خليل –الجيل المصاب بخيبة أمل إخفاقات ما بعد الحداثة وركود ما بعد الربيع العربي– إلى الحصن اللغوي لثقافة عصر النهضة العربية.

يعد كتاب أبو خليل حالة نماذجية تمثل هذه الظاهرة، يعيد إحياء المقال التأملي –وهو نوع شاع في أوائل القرن تقريبًا على يد المنفلوطي والرافعي– معبرًا عن القلق الحديث الذي تتشاركه أجيال الألفية –جيله وجيلي والجيل التالي عليّ. يعمل النص عمل المستودع: فهو أرشيف للصدمات الجيلية التي أعقبت أحداث الربيع من ناحية، وبيان لغوي لاستعادة قدسية الفصحى العالية من الابتذال الرقمي الحديث من جهة أخرى. نص مكتوب بأسلوب درعمي قديم يجري توزيعه بطريقة فائقة الحداثة (طباعة حسب الطلب وتطبيقات كتاب إلكتروني). تنتقل فئة العشرينات من حالة الشلل الاجتماعي الذي حملته إحباطات الفترة إلى بناء هوية حنينية قائمة على النص لتجاوز هذا الشلل.

نسب أحمد أبو خليل

لأحمد أبو خليل، المولود في 1987، عائلة كبيرة ممتدة؛ فهو ابن لدار العلوم، أكبر العائلات الأدبية الجامعة في مصر الحديثة، وتخرج فيها عام 2008. يبرز مساره المهني الطبيعة «الهجينة» لصوته الأدبي. مسيرته المهنية تعلقت بالمشهد الإعلامي في العالم العربي ما بعد الربيع، فعمل مخرجًا للأفلام الوثائقية للجزيرة، وأنتج أفلامًا ذات موضوعات حساسة مثل «غزة من خلال عيون مصريين» و«لماذا يضحك المصريون؟». علاوة على ذلك فقد ترأس تحرير منصة «إضاءات» لسنين، وهي منصة ثقافية رقمية بارزة. لاحقًا أصبح رئيسًا تنفيذيًا لشركة «رواة» المعنية بإنتاج الكتب الصوتية.

هذه الطبيعة المزدوجة في بناء عشرينياته –كونه لغويًا درعميًا من جهة، ومديرًا إعلاميًا لمنصة رقمية حديثة من جهة– خلقت التوتر الذي يدفع إنتاجه الأدبي. يستخدم أبو خليل أدوات الإعلام الجديد (المدونات، والتطبيقات، والمنصات الاجتماعية) لنشر رسالة وأسلوب يشبه الإعلام القديم بشكل كبير.

عمله السابق «يومًا ما كنت إسلاميًا» (2012)، يوفر سياقًا هامًا لـ«أوراق عشرينية». في تلك المذكرات، قدم أبو خليل منظورًا نقديًا من الداخل حول الإسلاميين في مصر، مفصلًا الهياكل التنظيمية الصارمة التي غالبًا ما كانت تخنق الروحانية الفردية والنمو الفكري. ينتقل هذا النقد للتنظيم في مقابل الروح إلى «أوراق عشرينية»، حيث يتحول التركيز من الحركات السياسية إلى المشهد الداخلي لهذه الروح الفردية. سيرة المؤلف الذي يحكي عشرينياته تمثل –بشكل لا يقصده ربما– صورة مصغرة للتحولات الفكرية الأوسع داخل ديموغرافيا الشباب الإسلامي: الابتعاد عن الانتماء التنظيمي الصارم نحو هوية أكثر مرونة وفردية، ولكنها لا زالت محافظة ثقافيًا.

تمتد المقالات الواردة في «أوراق عشرينية» عبر عقد حاسم في تاريخ مصر، من 2008 إلى 2018. تلخص هذه الفترة الأزمة الطويلة للطبقة الوسطى المصرية. ينعكس هذا على الاهتمامات الموضوعية للنص (الاغتراب، والانتظار، والرومانسية غير المحققة، والحنين).

أبرز ما في «أوراق عشرينية» هو انتماؤها الصريح وغير المعتذر لعمالقة الأدب في أوائل القرن العشرين. في إهدائه، كتب أبو خليل:

«إلى أئمة هذا الطريق الذين رسموه في روحي ببلاغة وسحر: الرافعي والمنفلوطي».

هذا وضع متعمد للذات في سلالة أسلوبية محددة –مدرسة البيان– أعطت الأولوية لجماليات اللغة لتكون وسيلة التوصل إلى الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي.

الكلاسيكية الجديدة الرقمية

تطور أدب المقالة في العربية، وشهد تحولات عديدة؛ انتقل من الزخرفة البيانية إلى الوظيفية، والآن يعود مع أبو خليل للزخرفة. مرت المقالة العربية في نظري بأطوار خمسة هي:

  1. الأولى: التراثية: في شكل الرسالة والمقامة، استخدم كتاب كالجاحظ وبديع الزمان النثر المسجوع وأدوات بلاغية معقدة لمناقشة القضايا الاجتماعية. ركز هذا التقليد على البراعة اللغوية على حساب التعبير العاطفي الغض.
  2. الثانية: النهضة التراثية الجديدة (أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20): خلال عصر النهضة، أعاد المنفلوطي والرافعي إحياء هذه الأشكال الكلاسيكية، مع إضفاء طابع ذاتي هام مقتبس من الرومانسية الأوروبية. شيدا –مع آخرين– قلاعًا من التأمل الشخصي في القضايا العامة، محافظين على اللغة العالية من الماضي في معالجة مخاوف الحداثة. هذه هي الحقبة التي يسعى أبو خليل لإحيائها.
  3. الثالثة: التحول الحداثي (منتصف القرن الـ20): مع صعود الواقعية والرواية، فقد المقال الزخرفي شعبيته. تبنى الكتاب، بقيادة طه والعقاد والابن الروائي لمدرستهما نجيب محفوظ، أسلوبًا أكثر وظيفية وصحفيًا، يفضل الوضوح ونقل الأفكار على الجمال اللغوي. تراجع المقال التأملي لصالح مقالة الرأي والقصة القصيرة.
  4. الرابعة: المدونة الرقمية (2005–2015): بظهور الإنترنت وُلِدَت «المدونة». استخدم المدونون المصريون الأوائل مثل أحمد ناجي وغادة عبد العال العامية المصرية أو اللغة الوسطى للتعبير عن المعارضة السياسية والحرية الشخصية. تميزت هذه الحقبة بالسخرية والسرعة ورفض كل القيود، أدبية كانت أو سياسية.
  5. الخامسة: والتي سنسميها الكلاسيكية الجديدة الرقمية: هنا تكمن أهمية «أوراق عشرينية». يغير أبو خليل مسار النوع الرقمي. بدلًا من الاستمرار في الاتجاه نحو التبسيط والعامية والاختصار، يقوم بردة إلى جماليات المرحلة الثانية. يكتب تدوينات تقرأها كأنها مقالات عصر النهضة. الكلاسيكية الجديدة الرقمية هي حركة مضادة، تؤكد أن التعبير عن تشتت العصر الرقمي يتطلب صلابة وجدية الفصحى ليصبح ذا معنى. يمثل هذا الاتجاه تمردًا ضد «الحداثة السائلة» للإنترنت، ويستعمل أسلحة الإنترنت ذاتها.

تظهر عدة سمات لغوية رئيسة تحدد هذا الأسلوب «الكلاسيكي الجديد»:

  1. المعجم القديم: النص ملئ بمفردات تندر في الوسائط الحديثة وإن شاعت في الكلاسيكيات، كاليرع (عود القصب)، وسجايا (صفات)، وتليد (مجد قديم)، ووجد (النشوة العاطفية). وهي علامات تؤكد أن أحمد كان طالبًا في دار العلوم فعلًا، ربما ينفر هذا الاختيار المعجمي القارئ العادي، ولكنه يشير إلى انتماء إلى عائلة ثقافية بليغة تؤكد هويتها بشيء من نخبوية الألفاظ.
  2. حسن التقسيم: المقالات ملأى بالجمل المتوازنة والهياكل المتوازية، وهي من سمات البلاغة العربية الكلاسيكية. لا يصل الأمر بالتأكيد لحالة بديع الزمان في مقاماته، ولكنها روح خفيفة أقرب لأدب الثلاثينيات.
  3. التناص: المقالات ملأى كذلك بإشارات تراثية إلى الشعر الكلاسيكي للمتنبي وابن زيدون. هذا التداخل النصي في رأيي يقدم أكثر مما هو مجرد البلاغة الأسلوبية، بل هو استدعاء لإضفاء الشرعية. يحتمي أبو خليل العشريني في صراعه مع دهره بنسيج هذه النصوص التراثية، ويرفع مظالمه الشخصية إلى مستوى التجربة الإنسانية العالمية والتاريخية.
  4. التفصح: وعندي تفرقة هامة بين التفصح (بذل الوسع في إيجاد الأسلوب الفصيح الكاشف عن الحس والشعور والفكرة) والتفاصح (محاولة الإنسان إظهار نفسه في منزلة أعلى فصاحة مما يحسن). أبو خليل يتفصح، يلتزم بالفصحى ويرفض كل المصطلحات غير الفصيحة. التزام أبو خليل بالفصحى النقية هنا هو فعل سياسي، شكل من أشكال المقاومة اللغوية ضد العولمة، يؤكد على اكتفاء العربية ذاتيًا في التعبير عن المشاعر الحديثة المعقدة.

اجتماعيات العزلة

التركيز في العنوان على العشرينيات يؤطر الكتاب كمانفستو جيلي. يهيمن مفهوم الانتظار على المشهد النفسي للنص. كما ذكر أحمد، هذه الفترة هي فترة انتظار قسري.

في مقال «عندي عشرون»، يستيقظ أحمد الشاب في عيد ميلاده العشرين ليس بتفاؤل الشباب، بل برعب وجودي ساحق. يدقق مقارنًا بين حياته وحياة الشخصيات الإسلامية التاريخية.

يشير إلى أن أسامة بن زيد قاد جيشًا في سن 18، ومحمد الفاتح غزا القسطنطينية في سن 21. على النقيض من ذلك، يندب الراوي حظه، ولسان حاله يقول: «عندي عشرون عامًا، ولو رآني أي شخص من تاريخ أمجادنا، لظن أنني عندي عشرون صفرًا».

هذه المبالغة تكشف عن شعور نفسي محدد: «عقدة النقص من انحطاط العصر». أبو خليل وجيله، الذي تربى على سرديات ماضٍ إسلامي مجيد «العصر الذهبي»، يجد واقعه المعاصر –المتسم بالعجز السياسي والاعتماد الاقتصادي– لا يُحتمل.

أزمة العشرينيات هنا ليست فقط بخصوص القلق العالمي عند الشباب من النضج؛ بل تتعلق بالحالة العربية ما بعد الاستعمار، حيث أصبح «الماضي التليد» عبئًا لا أساسًا للنهوض. يمثل «الـ20 صفرًا» الطبيعة الفارغة للهوية الحديثة حينما تُجرد من فعاليتها.

في مقالة «حالة حب»، يستكشف أبو خليل النفسية الرومانسية لجيله. يتنقل النص بين التوتر بين الرغبة الرومانسية الشديدة، التي تشبه الوجد الصوفي تقريبًا، وقيود الأخلاق الدينية والاستحالة الاقتصادية. يتوق الراوي إلى حب معترف به علنًا «حالة حب»، ويرسم مشابهة –جريئة– مع إعلان حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأم المؤمنين عائشة. هذا الاستدعاء للحالة النبوية يخدم «تقديس» الدافع الرومانسي، معارضًا السرد الثقافي المحافظ الذي يرى الاستعراض العلني للحب مخزية وعيبًا.

تضع المقالات الراوي في الامتداد الحضري للقاهرة. مدينة عجوز لا تحترم سنها، يبلغ عدد الأقدام الماشية عليها 40 مليون قدم –لا تنس أن كل إنسان له قدمان من فضلك– حيث يشعر الفرد فيها بأنه يتعرض للمحو. في «غريم الشجن»، يتجول الراوي في الشوارع المزدحمة، غارقًا في الضوضاء لكنه صامت من الداخل. تظهر قاعة امتحانات دار العلوم رمزًا متكررًا للعبث. الحفظ المتكرر والضغط للنجاح في نظام تعليمي معطل يشكلان تمثيلًا لمطالبة مجتمعية واسعة بالامتثال لنظام لا يقدم أي مكافآت.

قد كان في يناير

تثير مقولة «قد كان» اليوم في الذهن فكرة تتعارض تمامًا مع الفكرة التي يسوقها أحمد في مقالة «قد كان في يناير»، فـ«قد كان» اليوم هي «قد كان» خالي الحبيب الجنرال وليد السيسي. ولا يمنع هذا أن نتناول مقالة «قد كان في يناير» التي تتناول فينومينولوجيا انتفاضة 2011 بشكل يخالف التحليل السياسي التقليدي. لا يركز أبو خليل على سقوط مبارك أو النقاشات الدستورية؛ بل على التجربة الحسية للميدان.

يصف الراوي حالة ما قبل 2011 بأنها حالة العجز المكتسب، مشيرًا إلى السلبية الناتجة عن تكرار الصدمات. لم يكن اندلاع الانتفاضة في رأيه حدثًا سياسيًا، بل اختراقًا معجزيًا يكاد يكون كنزول مسيح آخر الزمان. يصف النص زئير الحشد، وصفارات الغاز المسيل للدموع، ورائحة الخل، وحرق الإطارات.

بشكل نقدي، ينتقل الضمير من المفرد المتكلم «أنا» في المقالات السابقة إلى الجماعة «نحن». يعكس هذا التحول اللغوي تفكك الأنا المنعزلة إلى الجسد الجماهيري. للحظة وجيزة، انتهى الانتظار وأصبحت الأصفار من التاريخ. تعد هذه المقالة تذكارًا للحظة عابرة من الفعالية، والأجل في المقالة أنها مكتوبة من منظور الفاقد.

واحدة من أكثر المقالات تأثيرًا، «أسماء»، تعد مرثية لأسماء البلتاجي، أنار الله قبرها، البالغة من العمر 17 عامًا. هذا الحدث هو صدمة البداية لجيل الشباب الإسلامي. يستخدم أبو خليل النمط الإسلامي الأدبي التقليدي «عرس الشهيد»، حيث يعاد تصوير الموت كزفاف في السماء. يستخدم رمزية لونية لافتة، حيث يقارب أحمر الدم بأبيض الفستان والكفن.

ومع ذلك، وعلى عكس الدعاية الإسلامية التقليدية التي تركز على الانتصار، فإن نص أبو خليل مشبع بالحزن الشخصي وعقدة الناجي. من خلال التركيز على أسماء، يضفي طابعًا إنسانيًا على الصراع السياسي. تعمل المقالة عمل أدب الصدمات، موثقةً تحطيم الفقاعة الزجاجية لشباب آمنوا بالتغيير. يمثل هذا التحول الانتقال من الثوري النشط لعام 2011 إلى مشيع الشهداء في 2013، مما يعزز سردية الضحية التي ستحدد هوية هذا الجيل بعد هذه اللحظة الفارقة.

في مقالة «كفر نابل»، يمد الراوي ناظريه إلى ما وراء مصر، إلى سوريا. أصبحت كفر نابل، وهي بلدة صغيرة في إدلب، مشهورة عالميًا بأنها «ضمير الثورة السورية»، بسبب اللافتات الذكية بالإنجليزية التي أنتجها نشطاء مثل رائد فارس وأحمد جلال. يحفل أبو خليل بكفر نابل لأنها تعكس مشروعه الأدبي الخاص: استخدام الفن والكلمات سلاحًا للمقاومة. يسلط النص الضوء على اللافتات التي انتقدت الأسد وصمت المجتمع الدولي.

من الناحية الاجتماعية، يؤكد هذا المقال على البعد الوحدوي العربي لهوية جيل الربيع. يشعر بصدمة سوريا بعمق في القاهرة. باغتيال رائد فارس في 2018 (المتهم فيه جماعة الرئيس السوري الحالي) يضيف طبقة من البصيرة المأساوية إلى المقال. يرى أبو خليل في كفر نابل المصير النهائي للناشط السلمي: محصورًا بين طغيان الدولة وطغيان التطرف، ومسلحًا فقط بقلم (أو لافتة).

يروي مقال «منى» زيارة إلى غزة، يلتقي الراوي بطفلة تدعى منى وسط حطام الحرب. تمثل منى صمود الحياة في عالم الموت (النيكروبوليتيك) للحصار. تساؤلاتها البريئة حول البطاطس الصفراء –وهي رفاهية في القطاع المحاصر– وفهمها الطفولي للانقسام بين فتح وحماس، يبرزان عبثية الوضع السياسي. يشير النص إلى استشهاد نزار ريان مع زوجاته الأربعة و11 طفلًا في غارة جوية إسرائيلية في حرب 2009. يعد محو عائلات كاملة خلفية لتفاعل الراوي مع منى.

القوس العاطفي المركزي للمقال هو «عقدة الناجي». يمكن للراوي المصري مغادرة غزة والعودة إلى أمان القاهرة النسبي، بينما تبقى منى محاصرة. هذا التفاوت في التنقل هو مصدر عار عميق يسود النص –وعليه أن يسود حياتنا كلها بعد السابع من أكتوبر– ويعكس العلاقة المعقدة والمليئة بالذنب بين المثقفين المصريين والقضية الفلسطينية.

خاتمة

بالنسبة لي، كوني، كما قلت، أودع عشرينياتي بدوري هذه الأيام، يمثل «أوراق عشرينية» أكثر من مجموعة مقالات؛ هو أثر ثقافي ينقله لي جيل إخوتي الكبار عن عصر ما بعد الأمل في العالم العربي. يستخدم أبو خليل الإرث اللغوي لعصر النهضة –وبشكل خاص عاطفة المنفلوطي وبلاغة الرافعي– لبناء ملجأ للنفسية المتضررة من جيل الألفية المصري.

النص يكشف عن جيل عالق في الانتظار، عالق بين العجز الجسدي عن التقدم (اجتماعيًا/اقتصاديًا)، والعجز الروحي عن التخلي عن الماضي (الأحلام الثورية والمثل الدينية). من خلال نشر هذا العمل، يجسد أبو خليل المفارقة المركزية في جيله: استخدام التكنولوجيا المتطورة للتعبير عن شوق محافظ عميق وحنين للمعنى.

الرنين الكلاسيكي الجديد الذي أتصور أنه يقدمه هنا ليس مجرد تقليد أسلوبي؛ بل هو استجابة استراتيجية للصدمات. حينما فشل العالم في تحقيق وعوده لجيل أحمد، انسحب هو وجيله إلى أمان لغة كانت تعتبر نقية وخالدة. يقف «أوراق عشرينية» شاهدًا على قوة المقال التأملي في توثيق ما هو أكبر وأهم من اللحظة التاريخية، بل التيارات العاطفية الخفية التي تتدفق تحت التاريخ. يوثق وحي قلم أبو خليل نظرات وعبرات جيل ينتظر مستقبلًا لما يأتِ بعد.

top-ads

# كتب # كتاب أوراق عشرينية

معرفة